الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
26
مختصر الامثل
اعرفوا واهب النعم : الخطاب ما يزال موجّهاً إلى المشركين . في هذه الآيات حثّ استدلالي على إيقاظهم ببيان آخر يعتمد غريزة دفع الضرر ، فيبدأ بالقول : إنّه إذا سلب منكم اللَّه النعم الثمينة التي وهبها لكم ، مثل السمع والبصر ، وأغلق على قلوبكم أبواب التمييز بين الحسن والسيء ، والحق والباطل ، فمن يا ترى يستطيع أن يعيد إليكم تلك النعم ؟ « قُلْ أَرَءَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم مَّنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ » . في الواقع ، كان المشركون أنفسهم يعتقدون أنّ الخالق والرازق هو اللَّه ، وكانوا يعبدون الأصنام للاستشفاع بها عند اللَّه . ثم تقول الآية : انظر إلى هؤلاء الذين نشرح لهم الآيات والدلائل بمختلف الوسائل ، ولكنهم مع ذلك يعرضون عنها : « انظُرْ كَيْفَ نُصَرّفُ الْأَيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ » . « نصرف » : من « التصريف » بمعنى « التغيير » والكلمة هنا تشير إلى مختلف الاستدلالات في صور متنوعة . و « يصدفون » : من « صدف » بمعنى « الجانب » و « الناحية » أي إنّ المعرض عن شيء يدير وجهه إلى جانب أو ناحية أخرى . تشير الآية الثانية - بعد ذكر هذه النعم الثلاث « العين والأذن والإدراك » التي هي منبع جميع نعم الدنيا والآخرة - إلى إمكان سلب هذه النعم كلّها دفعة واحدة ، فتقول : « قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ » . « بغتة » : بمعنى « فجأة » و « جهرة » بمعنى « الظاهر » والعلانية . والقصد هو أنّ القادر على إنزال مختلف العقوبات ، وسلب مختلف النعم هو اللَّه وحده ، وإنّ الأصنام لا دور لها في هذا أبداً ، لذلك ليس ثمّة ما يدعو إلى اللجوء إليها ، لكن اللَّه لحكمته ورحمته لا يعاقب إلّاالظالمين . الآية الثالثة تشير إلى مركز الأنبياء ، فتقول : ليست الأصنام العديمة الروح هي وحدها العاجزة عن القيام بأيّ أمر ، فإنّ الأنبياء العظام والقادة الإلهيين أيضاً لا عمل لهم سوى إبلاغ الرسالة والإنذار والتبشير ، فكلّ ما هنالك من نعم إنّما هي من اللَّه وبأمره ، وأنّهم إن أرادوا شيئاً طلبوه من اللَّه : « وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشّرِينَ وَمُنْذِرِينَ » . ثم تقول : إنّ طريق النجاة ينحصر في أمرين ، فالذين يؤمنون ويصلحون أنفسهم « وَيَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ » فلا خوف عليهم من العقاب الإلهي ، ولا حزن على أعمالهم السابقة . « فَمَنْ ءَامَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ » .